محمد الغزالي
253
فقه السيرة ( الغزالي )
ولم تنل قريش من هذه الغارة الفاشلة شيئا يرفع رأسها ، ففكّرت أن تتجنّب الصدام بالمسلمين حتى تحين الفرصة المواتية ، ولكن أنى لها ذلك وتجارتهم تمرّ في الغدو والرواح بالمدينة ؟ . قال صفوان بن أمية لقريش : « إنّ محمدا وصحبه عوّروا علينا متجرنا ، فما ندري كيف نصنع بأصحابه ، هم لا يبرحون الساحل ، وأهل الساحل قد وادعوهم ، ودخل عامتهم معه ، فما ندري أين نسلك ؟ ! وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا ، فلم يكن لها من بقاء ، وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف وإلى الحبشة في الشتاء » ، فقال له الأسود بن المطلب : تنكّب الطريق على الساحل ، وخذ طريق العراق ، ودلّه على فرات بن حيّان من بني بكر بن وائل ، ليكون رائدهم في هذه الرحلة . وخرجت عير قريش يقودها صفوان بن أمية اخذة الطريق الجديدة ، إلا أن نعيم بن مسعود قدم المدينة يحمل أنباء هذه القافلة وخطّة سيرها ، واجتمع في مجلس شرب - قبل تحريم الخمر - بسليط بن النعمان ، فباح له بسرها ، فأسرع سليط إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يروي له القصة ، فبعث النبي لوقته ( زيد بن حارثة ) في مئة راكب يعترضون القافلة ، فلقيها زيد عند ماء يقال له : ( القردة ) ، فاستولى عليها ، وكانت تحمل مقادير كبيرة من الفضة ، وفرّ المشركون مذعورين ، فلم يقع في الأسر غير فرات بن حيان ، فلمّا جيء به إلى المدينة دخل في الإسلام . ولقد حزنت مكة لهذه النكبة الجديدة ، وزادها ذلك إصرارا على المطالبة بثأرها ، والتهيؤ للقاء المسلمين في تعبئة كاملة ، فكان ذلك وما سبقه من أحداث التمهيد القوي لمعركة ( أحد ) في السنة الثالثة للهجرة . [ بين بدر وأحد ] : ولا يفوتنا إذ نتابع النشاط العسكري للإسلام في سنتيه الأوليين بالمدينة ، أن نذكر بعض الشؤون الهامة الأخرى ، فقد توفي خنيس بن حذافة السهمي زوج حفصة بنت عمر بن الخطاب ، وهو رجل صالح ممن شهدوا بدرا ، فلما تأيّمت منه ، أراد أبوها أن يتخير لها زوجا ، قال عمر : فلقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة ، فقلت : إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر ! ! فقال : سأنظر في أمري ! فلبث ليالي ثم لقيته فعرضت عليه ، فقال : قد بدا لي ألا أتزوّج .